ابن عجيبة

352

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : اللّه الذي يرسل رياح الواردات الإلهية ، فتنزعج سحاب الآثار عن عين الذات العلية ، فتبقى شمس العرفان ، ليس دونها سحاب ، فيبسطه في سماء القلوب كيف يشاء ، فيقع الاحتجاب لبعضها ، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي والظهور ، ويجعله كسفا لأهل الاستشراف ، فتارة ينجلى عنهم سحب الآثار ، فيشاهدون الأنوار ، وتارة تغطيهم سحب الآثار ، فيشاهدون الأغيار ، فترى مطر خمرة الفناء تخرج من خلاله ، فإذا أصاب به من يشاء من عباده ، إذا هم يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته . وقد كانوا قبل ذلك مبلسين ، آيسين ؛ حين كانت نفوسهم غالبة عليهم . فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل والغفلة . وهذا مثال من كان منهمكا ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية ، فسقاه حتى حيي بمعرفة اللّه . قال القشيري : اللّه الذي يرسل رياح عطفه وجوده ، مبشرات بجوده ووصله ، ثم يمطر جود غيثه على أسرارهم ، ويطوى بساط الحشمة عن مناجاة قربه ، ويضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه ، وينشر عليهم أزهار أنسه ، ثم يتجلّى لهم بحقائق قدسه ، ويسقيهم بيده شراب حبّه . وبعد ما محاهم عن أوصافهم ؛ أصحاهم ، لا بهم ، ولكن بنفسه . والعبارات عن ذلك خرس ، والإشارات ، دونه ، طمس . وقال في قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ . . الآية : يحيى الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجىء أمطارها ، ليخرج زرعها وثمارها ، ويحيى النفوس بعد تفريقها ، ويوفقها للخيرات بعد فترتها ، فتعمر أوطان الوفاق بصدق إقدامهم ، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم ، وتحيى القلوب ، بعد غفلتها ، بأنواع المحاضرات ، فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة ، ويهتدى بأنوار أهلها أهل العصر من أهل الإرادات ، ويحيى الأرواح بعد حجبتها بأنوار المشاهدات ، فتطلع شموسها من برج السعادة ، ويتصل ، بمشامّ أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات ، فلا يبقى صاحب نفس إلا حظى منه بنصيب ، ويحيى الأسرار بأنوار المواجهات . وما كان لها إلا وقفة في بعض الحالات ، فتنتفى ، بالكلية ، آثار الغيريّة ، ولا يبقى في الديار ديّار ، ولا من سكانها آثار ، وسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرّة من صفات الخلائق ؛ هنالك الولاية للّه الحق . . انتهى المراد منه ، مع زيادة بيان . ثم ذكر الجوائح ، وما ينشأ من أهل الغفلة عند ظهورها ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 )